مركز الثقافة والمعارف القرآنية
535
علوم القرآن عند المفسرين
فأخبر عن انهزام جمع الكفار وتفرقهم وقمع شوكتهم ، وقد وقع هذا في يوم بدر أيضا حين ضرب أبو جهل فرسه ، وتقدم نحو الصف الأول قائلا : « نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه » فأباده الله وجمعه ، وأنار الحق ورفع مناره ، وأعلى كلمته ، فانهزم الكافرون ، وظفر المسلمون عليهم حينما لم يكن يتوهم أحد بأن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا - ليس لهم عدة ، ولا يصحبون غير فرس أو فرسين وسبعين بعيرا يتعاقبون عليها - يظفرون بجمع كبير تام العدة وافر العدد ، وكيف يستفحل أمر أولئك النفر القليل على هذا العدد الكثير ، حتى تذهب شوكته ، كرماد اشتدت به الريح ، ولا أمر الله وإحكام النبوة وصدق النيات ؟ ! . ومنها قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . . . * سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ « 1 » . وقد تضمنت هذه السورة نبأ دخول أبي لهب ، ودخول زوجته النار . ومعنى ذلك هو الإخبار عن عدم تشرفهما بقبول الإسلام إلى آخر حياتهما ، وقد وقع ذلك . 6 - القرآن وأسرار الخليقة : أخبر القرآن الكريم في غير واحدة من آياته عما يتعلق بسنن الكون ، ونواميس الطبيعة ، والأفلاك ، وغيرها مما لا سبيل إلى العلم به في بدء الإسلام إلا من ناحية الوحي الإلهي . وبعض هذه القوانين وان علم بها اليونانيون في تلك العصور أو غيرهم ممن له سابق معرفة بالعلوم ، إلا أن الجزيرة العربية كانت بعيدة عن العلم بذلك . وان فريقا مما أخبر به القرآن لم يتضح إلا بعد توفر العلوم ، وكثرة الاكتشافات . وهذه الأنباء في القرآن كثيرة ، نتعرض لها عند تفسيرنا الآيات التي تشير إليها إن شاء الله تعالى . وقد أخذ القرآن بالحزم في إخباره عن هذه الأمور ، فصرح ببعضها حيث يحسن التصريح . وأشار إلى بعضها حيث تحمد الإشارة ، لأن بعض هذه الأشياء مما يستعصي على عقول أهل ذلك العصر ، فكان من الرشد أن يشير إليها إشارة تتضح لأهل العصور المقبلة حين يتقدم العلم ، وتكثر الاكتشافات .
--> ( 1 ) سورة تبّت : الآية 1 - 3 .